ابن قيم الجوزية
196
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الفرق بين تكفير السيئات ومغفرة الذنوب وقد جاء في كتاب اللّه تعالى ذكرهما مقترنين ، وذكر كلّا منهما منفردا عن الآخر . فالمقترنان كقوله تعالى حاكيا عن عباده المؤمنين رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ [ آل عمران : 193 ] والمنفرد كقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ ( 2 ) [ محمّد : 2 ] وقوله في المغفرة : وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [ محمّد : 15 ] وكقوله رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا [ آل عمران : 147 ] ونظائره . فهاهنا أربعة أمور : ذنوب ، وسيئات ، ومغفرة ، وتكفير . فالذنوب : المراد بها الكبائر . والمراد بالسيئات : الصغائر . وهي ما تعمل فيه الكفارة ، من الخطأ وما جرى مجراه . ولهذا جعل لها التكفير . ومنه أخذت الكفارة . ولهذا لم يكن لها سلطان ولا عمل في الكبائر في أصح القولين . فلا تعمل في قتل العمد . ولا في اليمين الغموس في ظاهر مذهب أحمد وأبي حنيفة - رحمهما اللّه - . والدليل على أن السيئات هي الصغائر ، والتكفير لها : قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً ( 31 ) [ النّساء : 31 ] وفي « صحيح مسلم » من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول « الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان : مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر » . ولفظ « المغفرة » أكمل من لفظ « التكفير » ولهذا كان مع الكبائر ، والتكفير مع الصغائر « 1 » . فإن لفظ « المغفرة » يتضمن الوقاية والحفظ . ولفظ « التكفير » يتضمن الستر والإزالة ، وعند الإفراد : يدخل كل منهما في الآخر . كما تقدم . فقوله تعالى : كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ [ محمّد : 2 ] يتناول صغائرها وكبائرها ، ومحوها ووقاية شرها . بل التكفير المفرد يتناول أسوأ الأعمال . كما قال تعالى : لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا [ الزّمر : 35 ] . وإذا فهم هذا فهم السر في الوعد على المصائب والهموم والغموم والنصب والوصب بالتكفير دون المغفرة . كقوله في الحديث الصحيح « ما يصيب المؤمن من همّ ولا غم ولا أذى -
--> ( 1 ) قال السيد رشيد : لم يبسط المصنف هذا البحث حق البسط كعادته . أما « التكفير » فهو مستعمل في السيئات . وكذلك العفو . والمغفرة في الذنوب كما قال . وأما تخصيص الذنوب بالكبائر ، والسيئات بالصغائر ، وجعل التكفير للصغائر فقط . والمغفرة للكبائر فهو محل نظر . فالذنب مشتق من ذنب الدابة . وهو كل ما له عاقبة وتبعة تلحقه لا تتفق مع مصلحة فاعله ، ومنفعته ومراده وربما لا يكون معصية البتة . بل اجتهادا لم يوافق المقصد ، ولذلك أضيف الذنب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم دون السيئة . ومثاله اجتهاده في الإذن لمن استأذنه في التخلف عن غزوة تبوك . وقال اللّه في قوم لوط : وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ [ هود : 78 ] وكانت من الكبائر . وكما قال تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ . وقال أيضا : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ فاستعمل « المغفرة » في المم وهي الصغائر قطعا . كما استعمل التكفير في السيئات . وفي كون المراد بها الصغائر في آية آل عمران وآية النساء هذه : نظر . والسيئة مشتقة من السوء . وهو ما يسوء فاعله في دنياه وآخرته أو فيهما جميعا .